الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

57

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بطريقين طريق المجازاة ، وطريق التأكيد في قوله : يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً الآية ، تصريح بيوم البعث بعد أن أشير إليه تضمنا بقوله : إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ فحصل بذلك تأكيده أيضا . والمور بفتح الميم وسكون الواو : التحرك باضطراب ، ومور السماء هو اضطراب أجسامها من الكواكب واختلال نظامها وذلك عند انقراض عالم الحياة الدنيا . وسير الجبال : انتقالها من مواضعها بالزلازل التي تحدث عند انقراض عالم الدنيا ، قال تعالى : إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها إلى قوله : يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ [ الزلزلة : 1 - 6 ] . وتأكيد فعلي تَمُورُ و تَسِيرُ بمصدري مَوْراً و سَيْراً لرفع احتمال المجاز ، أي هو مور حقيقي وتنقل حقيقي . والويل : سوء الحال البالغ منتهى السوء ، وتقدم عند قوله تعالى : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ في سورة البقرة [ 79 ] وتقدم قريبا في آخر الذاريات . والمعنى : فويل يومئذ للذين يكذبون الآن . وحذف متعلق للمكذبين لعلمه من المقام ، أي الذين يكذبون بما جاءهم به الرسول من توحيد اللّه والبعث والجزاء والقرآن فاسم الفاعل في زمن الحال . والخوض : الاندفاع في الكلام الباطل والكذب . والمراد خوضهم في تكذيبهم بالقرآن مثل ما حكى اللّه عنهم : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [ فصلت : 26 ] وهو المراد بقوله تعالى : وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [ الأنعام : 68 ] . و فِي للظرفية المجازية وهي الملابسة الشديدة كملابسة الظرف للمظروف ، أي الذين تمكن منهم الخوض حتى كأنه أحاط بهم . و يَلْعَبُونَ حاليّة . واللعب : الاستهزاء ، قال تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ [ التوبة : 65 ] . [ 13 - 16 ] [ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 13 إلى 16 ] يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ( 13 ) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 14 ) أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ( 15 ) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 16 )